مصر: أزمة الرعاية في السجون تعود إلى الواجهة بعد وفاة عمرو عبدالنبي وخمس وفيات الشهر الماضي
قالت منظمة «صحفيات بلا قيود» إنها تتابع بقلق بالغ التقارير الواردة بشأن وفاة المعتقل الدكتور عمرو عبدالنبي هيكل داخل أحد السجون المصرية، بعد سنوات من الإخفاء القسري والاحتجاز.
واعتبرت المنظمة أن وفاة عبدالنبي تعيد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة بشأن أوضاع المحتجزين، ولا سيما المرضى وكبار السن، في ظل تكرار التقارير الحقوقية التي تتحدث عن الحرمان من الرعاية الصحية وتأخر التدخل الطبي داخل أماكن الاحتجاز.
وطالبت صحفيات بلا قيود، السلطات المصرية بفتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات الوفاة، وضمان سلامة جميع المحتجزين، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات قد تكون أسهمت في تعريض حياتهم للخطر.
السبت 11 تموز/يوليو، أُعلن عن وفاة الدكتور عمرو عبدالنبي هيكل، بعد سلسلة من الانتهاكات التي بدأت باعتقاله مع زوجته الدكتورة دينا عبدالرحمن ونجلهما عام 2020، قبل أن يتعرض للإخفاء القسري لعدة سنوات، دون تمكين أسرته أو محاميه من معرفة مكان احتجازه أو التواصل معه.
وخلال تلك الفترة، حُرم أطفاله من رعاية والديهم وانتقلوا للعيش مع جدهم، بينما ظهرت الدكتورة دينا، بعد سنوات من الإخفاء، داخل أحد السجون وهي تعاني فقدانًا كاملًا للنطق والإدراك، وفق ما وثقته جهات حقوقية، في حالة قالت إنها نتجت عن ظروف الاحتجاز القاسية والمعاملة اللاإنسانية التي تعرضت لها.
أما الدكتور عمرو عبدالنبي، فقد ظل مختفيًا قسرًا حتى ظهر للمرة الأولى أمام نيابة أمن الدولة العليا في أيلول/سبتمبر 2024، بعد نحو أربع سنوات من انقطاع أخباره، حيث خضع للتحقيق على ذمة تهم ذات طابع سياسي، شملت الانضمام إلى جماعة، وتمويلها، والتخابر، قبل إيداعه سجن العاشر من رمضان.
مخاوف بشأن الرعاية الصحية
وأكدت صحفيات بلا قيود أن وفاة الدكتور عمرو عبد النبي تأتي في سياق تصاعد المخاوف الحقوقية بشأن أوضاع الرعاية الصحية داخل السجون المصرية، في ظل استمرار احتجاز مدنيين، بينهم أكاديميون وكبار في السن، يعانون أمراضًا مزمنة وخطيرة.
وأشارت المنظمة إلى أن حالتي اعتقال بين الأكاديميين، هما الدكتور عصام حشيش، والدكتورة شيرين شوقي، وقالت إنهما تمثلان نموذجًا لأزمة أوسع تتعلق بحرمان المحتجزين المرضى من الرعاية الطبية اللازمة. فالدكتور عصام حشيش (71 عامًا) يعاني قصورًا حادًا في القلب وتدهورًا في صماماته وارتفاعًا مزمنًا في ضغط الدم، وقد تفاقمت حالته عقب تعرضه لأزمة قلبية، وسط تأكيدات حقوقية بعدم حصوله على العلاج المتخصص اللازم. كما تواجه الدكتورة شيرين شوقي تدهورًا صحيًا خطيرًا يشمل أنيميا حادة، وأمراضًا بالقلب والكبد، وانزلاقات غضروفية، مع تحذيرات من احتمال فقدانها القدرة على الحركة إذا استمر تأخر العلاج.
وقالت المنظمة إن استمرار احتجاز أصحاب الأمراض المزمنة دون توفير الرعاية الطبية المناسبة يمثل تهديدًا مباشرًا لحقهم في الحياة والسلامة الجسدية.
خمس وفيات خلال شهر واحد
ورصدت منظمة صحفيات بلا قيود ما لا يقل عن خمس حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز المصرية خلال الشهر الماضي، من بينها:
· وفاة المعتقل محمد سيد عبدالرحيم، أمين لجنة الشباب بحزب الحرية والعدالة بمحافظة بورسعيد، داخل سجن بدر في 17 يونيو/حزيران، بعد تدهور حالته الصحية، وذلك عقب اثني عشر عامًا من الاحتجاز.
· وفاة أيمن رمزي بطرس داخل قسم شرطة روض الفرج، بعد احتجازه على خلفية منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وجه فيها انتقادات إلى الكنيسة التي ينتسب إليها، وسط تقارير حقوقية تحدثت عن تعرضه للإخفاء القسري وحرمانه من الضمانات القانونية والرعاية الصحية.
· وفاة المعتقل سيد كامل حداد، (52 عامًا) داخل سجن ليمان المنيا إثر أزمة قلبية، قالت مصادر حقوقية إن الاستجابة الطبية له جاءت متأخرة.
· وفاة لاعب المصارعة جمال عبد الناصر، (27 عامًا)، أثناء احتجازه، حيث تداولت حسابات حقوقية معلومات عن وفاته داخل قسم شرطة بدر، فيما قالت وزارة الداخلية إنه توفي داخل المستشفى نتيجة مضاعفات صحية مرتبطة بالإدمان، ونفت تعرضه لأي اعتداء.
· وفاة المحتجز إبراهيم محمد المهدي داخل سجن برج العرب، في واقعة طالبت أسرته على إثرها بإجراء تشريح مستقل، بعد أن قالت إنها لاحظت آثارًا وصفتها بأنها تدل على تعرضه للتعذيب، ورفضت استلام الجثمان قبل تحديد سبب الوفاة بصورة مستقلة.
وأكدت صحفيات بلا قيود، أن تكرار الوفيات داخل أماكن الاحتجاز يثير مخاوف جدية بشأن مدى التزام السلطات بواجباتها القانونية في حماية حياة المحتجزين وضمان حصولهم على الرعاية الصحية المناسبة.
المحاكمات ذات الطابع السياسي
وقالت صحفيات بلا قيود، أن استمرار الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، إلى جانب المحاكمات ذات الطابع السياسي، يثير مخاوف جدية بشأن احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وترى المنظمة، أن السلطات المصرية تستخدم، قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 وقانون تنظيم العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، اللذان يتضمنان تعريفات فضفاضة وصلاحيات واسعة، ضد المعارضين ومنتقدي الحكومة، وفرض قيود واسعة على المجتمع المدني وإسكات الصحفيين والناشطين.
وكانت صحفيات بلا قيود قد أصدرت في يونيو/ حزيران 2025 تقريرًا بعنوان «سجون بلا مفاتيح: كيف تقتل الزنزانة العمر والأمل في مصر»، وثّقت فيه أوضاع المعتقلين السياسيين منذ عام 2013، مشيرة إلى وفاة 1160 محتجزًا خلال عشر سنوات، 74% منهم بسبب الإهمال الطبي، فيما لا يزال أكثر من 60 ألف معتقل سياسي رهن الاحتجاز، كثير منهم دون محاكمات عادلة أو استنادًا إلى تهم فضفاضة.
الإطار القانوني
وتمثل حماية الحق في الحياة والرعاية الصحية للمحتجزين، التزامًا قانونيًا يقع على عاتق الدولة، استنادًا إلى أحكام الدستور المصري، الذي يكفل الكرامة الإنسانية ويحظر التعذيب وسوء المعاملة، ويلزم بتوفير الرعاية الصحية للمواطنين، فضلًا عن قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل الذي يوجب تقديم الخدمات الطبية للمحتجزين، وإجراء الفحوصات الدورية، ونقل الحالات التي تستدعي العلاج إلى المستشفيات المتخصصة.
وتعد جمهورية مصر العربية، طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، كما أنها ملزمة بالعمل بالمبادئ الواردة في قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا، التي تؤكد أن توفير الرعاية الصحية للمحتجزين مسؤولية مباشرة للدولة، وأن أي حرمان متعمد من العلاج أو تأخير غير مبرر في تقديمه قد يرقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة.
وتطالب صحفيات بلا قيود، بفتح تحقيقات قضائية مستقلة وشفافة في جميع حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، وإعلان نتائجها للرأي العام، وتشكيل لجان طبية مستقلة لمراجعة أوضاع الرعاية الصحية في السجون، وضمان التحقيق في جميع ادعاءات الإخفاء القسري وسوء المعاملة، والإفراج عن المحتجزين الذين تستدعي أوضاعهم الصحية العلاج خارج أماكن الاحتجاز، فضلًا عن مواءمة أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز مع التزامات مصر الدستورية والدولية، بما يكفل حماية الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.


Ar
En