تستنكر منظمة صحفيات بلا قيود بشدة الحكم الابتدائي الصادر بحق رئيس جمعية القضاة التونسيين، القاضي أنس الحمايدي، والقاضي بسجنه لمدة عام بتهمة تعطيل “حرية العمل”،
وتعتبره تطورًا بالغ الخطورة يكشف حجم التسييس الذي بلغه القضاء التونسي، ويعكس توظيفًا تعسفيًا للسلطة القضائية في مواجهة القضاة المدافعين عن استقلالها.
وترى المنظمة أن هذا الحكم لا يمكن عزله عن المسار الذي شهدته تونس منذ حلّ المجلس الأعلى للقضاء في فبراير/شباط 2022، ثم عزل 57 قاضيًا بأمر رئاسي في يونيو/حزيران من العام ذاته، وما تبع ذلك من تقويض ممنهج للضمانات المؤسسية والقانونية الكفيلة بحماية استقلال السلطة القضائية. كما يأتي هذا الحكم ضمن سياق أوسع من التضييق على القضاة والمحامين والنشطاء، وكل الأصوات الرافضة لإخضاع القضاء للسلطة التنفيذية.
وتؤكد صحفيات بلا قيود أن المعطيات التي تداولتها جمعية القضاة التونسيين وهيئة الدفاع تثير مخاوف جدية بشأن نزاهة الإجراءات التي أفضت إلى هذا الحكم، ولا سيما ما تعلق بالتسريع غير المبرر في مسار القضية، وعدم تمكين الدفاع من استكمال الاطلاع على وثائق الملف، وخرق الضمانات المرتبطة بالحصانة القضائية، فضلًا عن الشبهات المتعلقة بتدخل السلطة التنفيذية في مسار التتبع والمحاكمة.
وتسجل المنظمة أن القاضي أنس الحمايدي لم يُستهدف بسبب ارتكابه فعلًا إجراميًا ثابتًا، وإنما بسبب مواقفه المعلنة في الدفاع عن استقلال القضاء، وتحمله لمسؤولياته النقابية خلال التحركات التي قادها القضاة احتجاجًا على ما عُرف بـ”مذبحة القضاة”. وعليه، فإن ملاحقته تمثل تجريمًا مباشرًا للعمل النقابي والقضائي المشروع، ورسالة ترهيب موجهة إلى كامل الجسم القضائي.
كما ترى المنظمة أن استهداف رئيس جمعية القضاة التونسيين هو، في جوهره، استهداف للجمعية نفسها ولدورها التاريخي في الدفاع عن استقلال السلطة القضائية، بما يعكس رغبة واضحة في إخضاع القضاة وإسكات كل صوت مهني أو حقوقي يعارض فرض الوصاية السياسية على القضاء.
وتلفت صحفيات بلا قيود إلى أن هذا التطور يأتي رغم صدور قرار عن المحكمة الإدارية في أغسطس/آب 2022 بإيقاف تنفيذ قرارات عزل القضاة، ورغم القرارات التحفظية الصادرة عن المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بشأن إلغاء المراسيم المتعلقة بالمجلس المؤقت للقضاء وصلاحيات إعفاء القضاة. وهو ما يفاقم المخاوف من تجاهل السلطة التنفيذية للأحكام والقرارات القضائية الوطنية والإقليمية متى تعارضت مع خياراتها السياسية.
وتشدد المنظمة على أن استقلال القضاء ليس مجرد مبدأ مهني، بل هو ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات وترسيخ سيادة القانون. وهو مبدأ تكفله المعايير الدولية، بما في ذلك المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية المعتمدة من الأمم المتحدة، والتي تنص على وجوب حماية القضاة من أي ضغوط أو ملاحقات أو عقوبات بسبب ممارستهم لمهامهم أو تعبيرهم عن مواقف تتصل باستقلال القضاء.
كما أن ملاحقة القضاة بسبب نشاطهم النقابي أو بسبب دفاعهم عن استقلال السلطة القضائية تمثل انتهاكًا صريحًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتقوض ضمانات المحاكمة العادلة ومبدأ الفصل بين السلطات.
وانطلاقًا من ذلك، تدعو منظمة صحفيات بلا قيود إلى:
- إلغاء الحكم الصادر بحق القاضي أنس الحمايدي.
- وقف استهداف القضاة بسبب مواقفهم المهنية أو نشاطهم النقابي المشروع.
- ضمان استقلال القضاء، والامتناع عن توظيفه سياسيًا أو إخضاعه للسلطة التنفيذية.
- احترام الأحكام والقرارات القضائية الوطنية والإقليمية ذات الصلة باستقلال السلطة القضائية.
وتؤكد المنظمة أن هذه القضية تعكس خطرًا متصاعدًا يهدد العدالة وسيادة القانون في تونس، وتنذر بمزيد من التراجع في ضمانات استقلال القضاء، بما ينعكس سلبًا على حماية الحقوق والحريات العامة.
صادر عن منظمة صحفيات بلا قيود
14-4-2026


Ar
En